إحسان عباس ( اعداد )
194
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
من كلام العرب والعجم ، فيلقن من الفصول ما يختار . وبعثه نور الدين محمود بن زنكي رسولا إلى بغداد سنة أربع وستين وخمسمائة وخلع عليه هناك أهبة سوداء ، فكانت عنده يلبسها في الأعياد ، وسمع هناك الحديث من سعد الخير بن محمد الأنصاري كثيرا ، وصاهره على ابنته فاطمة ، ونقلها معه إلى مصر ، وانتقلت كتب سعد الخير إليه ؛ ومن عبد الصبور بن عبد السلام الهروي وعبد الخالق بن يوسف وغيرهم . واجتمع هناك بالشيخ عبد القادر وغيره من الأكابر ، ووعظ بجامع المنصور . وسمعته يقول : أول مجلس جلسته في بغداد في جامع المنصور ، فنزلت سحرا إلى الجامع متنكرا ، حتى أرى هيئة المجلس وأسمع ما يقال ، وإذا رجل أعمى قد جلس على درج المنبر ، فذكر من الفصول من كلام التميمي وابن عقيل وغيرهما جميع ما قد حررته للمجلس ، وتعبت عليه ، قال : فأصابني همّ ، وما بقي لي زمن أحفظ غير ذلك ، فاستخرت اللّه تعالى ، ثم جلست وتكلمت ، وذكرت حكاية طاب بها المجلس . وسمعته يقول : أول ما دخلت بغداد جاءني الشيخ أبو الفضل ابن شافع وتعصّب لي ، فدخل عليّ الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي مهنئا بالسلامة ، وتحدثنا ، قال لي : تحفظ شيئا من شعر ابن الكيزاني ؟ فأنشدته له : رأتني خاضبا شيبي * فسمتني أبا العيب فظهر الغيظ في وجهه ، ثم قام فذهب . فقال ابن شافع : أيش عملت ؟ هذا أول من جاءك من الحنابلة لقيته بما يكره ، فقلت : كيف ؟ قال : هو يخضب ، قلت : واللّه ما علمت ، ولا حضرني من شعر ابن الكيزاني إلا هذا . ثم عاد ابن نجية وانتقل إلى مصر من قبل دولة صلاح الدين ، وأقام بها إلى أن مات « 1 » . وكان يعظ بها بجامع القرافة مدة طويلة ، وله فيها وجاهة عظيمة عند الملوك ، وكان ذا رأي صائب ، وكان صلاح الدين - يعني ابن يوسف بن أيوب -
--> ( 1 ) قال ناصح الدين الحنبلي : مات بعد الستمائة وهو وهم ، فإنه كان يكتب هذه التواريخ من حفظه وقد بعد عهده بها ، والصحيح أنه توفي سنة 599 ( ذيل طبقات الحنابلة 1 : 440 ) .